وهبة الزحيلي
19
التفسير المنير في العقيدة والشريعة والمنهج
التّكرار ، وقد روى أحمد والنسائي عن ابن عبّاس أن الأقرع بن حابس سأل النّبي صلّى اللّه عليه وسلّم فقال : يا رسول اللّه ، الحجّ في كلّ سنة ، أو مرّة واحدة ؟ فقال : « بل مرّة ، فمن زاد فتطوع » . ولم يجز الإمام مالك خلافا للجمهور النّيابة في الحجّ ، فلا يجزئ أن يحجّ عن الشّخص غيره ؛ لأن حجّ الغير لو أسقط عنه الفرض ، لسقط عنه الوعيد المذكور في الآية : وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعالَمِينَ . أما المريض والمغضوب الذي لا يستطيع الثبات على الراحلة ، فيسقط عنه فرض الحج أصلا ، في رأي مالك ، سواء كان قادرا على من يحجّ عنه بالمال أو بغير المال ، واحتجّ بقوله تعالى : وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسانِ إِلَّا ما سَعى [ النجم 53 / 39 ] ، والمغضوب لا يستطيع السّعي ، ولأنه غير مستطيع ، والحجّ فرض على المستطيع . لكن أجاز المالكية الإجارة على الحجّ عن الميت الذي أوصى به ، ويجوز أن يكون الأجير على الحجّ عندهم لم يحجّ حجّة الفريضة . ويجوز في رأي الجمهور النّيابة في الحجّ عن الغير لمن مات ولم يحج ، أو كان مريضا عاجزا عن الحجّ لعذر وله مال ، لحديث ابن عبّاس وغيره الذي رواه الجماعة : « أن المرأة من خثعم ، قالت : يا رسول اللّه ، إن أبي أدركته فريضة اللّه في الحجّ شيخا كبيرا ، لا يستطيع أن يستوي على ظهره ؟ قال : فحجّي عنه » وكان ذلك الإذن في حجّة الوداع . وجاء في رواية : « لا يستطيع أن يستوي على ظهر بعيره » ، فقال النّبي صلّى اللّه عليه وسلّم : « فحجّي عنه ، أرأيت لو كان على أبيك دين أكنت قاضيته ؟ » قالت : نعم ، قال : « فدين اللّه أحقّ أن يقضى » ، فأوجب النّبي صلّى اللّه عليه وسلّم الحجّ بطاعة ابنتها إياه ، وبذلها من نفسها له بأن تحجّ عنه ، فيجوز له أن يستأجر عنه شخصا يحجّ عنه إذا كان قادرا على المال . ولا تتحقق الاستطاعة بالهبة بأن يهب له شخص أجنبي عنه مالا يحجّ به ،